انطلقنا من العامرة إلى العفية يوم الإنتخابات قاصدين مركز الإقتراع حين الصباح ، ولم يقطع الحديث عن حظوظ المرشحين بهاء المناظر من شواطئ عذراء وهضاب مهابة طوال الطريق ، سوى بعض ما أتذكره من أعمال مكتبية لم تنجز بعد ومراجعين يطلون أشباحا لا تنتهي مطالبهم ، وأفكار ما فتئت تعاود النفس عن مدى نضج المجتمع ووعيـه لدور مجلس الشورى وضرورة المشاركة وانتقاء المرشح الكفء علما وعملا دون جاهليات القبيلة والعرق وانتماء السكن أو فساد الرشاوى وشراء الأصوات.
حين صولي إلى مركز الإقتراع أثار اهتمامي غلبة حضور كبار السن على حضور الشباب ، وأحسب أن غالبيتهم كانوا ممن هم دون مستوى القدرة على قراءة الكلمة ونطقها فضلا عن قراءة الأحداث واستنطاقها ، أو كان توقيت وصولي للمركز موافقا لوصول إحدى الحافلات المقلة لهذه الجموع الغفيرة سواءا تكلف عناءها فاعل خير أو أحد المرشحين المستفيدين من حضور هذه الجموع ، وقد أرجح الفاعل الثاني لا لإنعدام فعل الخير أو إقلاله في المجتمع ، بل لإرتباط مصلحة وصول الجموع الغفيرة للتصويت لصالح مرشح واحد بمصلحة هذا المرشح بشكل مباشر.
إلتقيت هناك ببعض المعارف والأقارب ممن يشيع بعض الأخبار دون استناد إلى واقع أو دليل من عمليات شراء لأصوات واسعة ، قد تكون استثمارا بعيد المدى ترتقي بسعـادة العضو إلى مرتبـة معالي الوزير ، إلا أن كل ذلك لا أعده من المنغصات لتجربة المشاركة السياسية بشكل عام إن نظرت إليها كمرحلة لا بد من مرور المجتمع خلالها لينضج ويعي حجم المعضلة التي أوقع فيها نفسه على عدة إشكالات محرجة ، فالإشكال الأول فهو عيب التصويت الموجه دون وعي ودون إستقلال الرأي يساق إليها الناخب ضمن قطيع لا يأبه إن كان مصيره مسلخة البلدية أم بيت عيد الأضحى مباشرة ، والثاني ولاء الجاهلية من انتماءات قبلية أو مذهبية أو مناطقية لم تعد صالحة لبناء نهضة إنسانية شاملة لا تحدها حدود القبيلة والمذهب والمسكن ، أما الإشكال الثالث فمحرج للغاية كون من يمثل الولايـة دون مستوى التمثيل على أي وجه كان ، خاصة في ظل التوجه الرسمي لتوسيع صلاحيات مجالس الشورى والدولة ، الأمر الذي يتوجب به على الناخب ترشيح المتمكن ثقافة وإطلاعا على أساسيات إقرار التشريعات والأنظمة وتعديلها وقراءة آثارها سلبا وإيجابا على مجتمعه والوطن ، أو ترشيح من أوتوا أدوات القيادة والتمكن لضمان حراك سياسي يفعله ممثل الولاية ويتفاعل معه المجتمع على نحو يستفيد منه العامة ويحقق مصلحة جامعة.
من لطيف ما استمتعت بقراءته بحث لغوي نشر في أكثر من موقع للدكتور محمد حسن عبد العزيز بعنوان “دقرطة أم مقرطة؟” أي جعله أو صيره ديمقراطيا. ومرجع البحث أن كلمة “democratization” التي جاء منها إشتقاق الفعل “democratize” بمعنى “to make it democratic or to become democratic” بمعنى جعله ديمقراطيا شاع استخدامها على الضفة العربية بكلمة دقرطة أو مقرطة.
وحيث أن اللغة العربية لم تزخر بأفعال خماسية في أصلها ، ولم يجيز مجمع اللغة العربية بالقاهرة إشتقاق الفعل الخماسي “دمقرط” ، ولما قرار المجمع بإجازة إشتقاق الإسم الجامد المعرب من غير الثلاثي على “فعلل” ولازمه “تفعلل” ، واستنادا على هذا القرار يمكن تصريف الكلمة لنقول “دقرط” أو “مقرط” لنعني بهن “جعلناها ديمقراطية” أو “صيرناها ديمقراطية” ، مثلها في ذلك مثل “أمرَكَ” أي جعله أمريكيا أو “بلقنة” إشتقاقا من البلقان أو “البلشفة” وغيرها مما تم تعريبها من مفردات أعجمية.
وفي ظل كل ما أسلفت من تحديات متنوعة في وجه تهذيب تجربة الشورى وإصلاحها ، إرتأيت أن يكون عنوان هذه المقالة القصيرة “انتخابات الشورى .. دقرطة أم مقرطة؟” للقارئ إختيار إحدى هاتين الكلمتين أو كلاهما ، وأرجو ألا يُحمَل مغزى العنوان جهلا محمل الإنتقاد أو أن يتم تفسيره على هذا النحو ، أو يتم ربطه “بخربطة” أو “مهزلة” لتشابه الأوزان ، ولنا لقـاء قادم إن شاء العزيز العليم.
Posted in Uncategorized by
Salim.
زمان جدو ، إذا مرض أحدهم فوجهته الطبيب ، وهناك من سماه الحكيم ، أو قد يسمونه أبو فلان أو علان أو يسمونه المعلم ، ولست أقصد هنا “الباصر” ، الذي إن سرق منك شئ ، يمكنه عقاب السارق بنفخ بطنه ، أو حمى ثقيلة تجعله يرجع إليك “البتاع المسروق كاملا” ، زائد “إعتذار” ، يضاف إليه أي مصروفات إدارية أو مالية أو أتعاب تكلفها الشيوخ الذين يسكنون رأس الباصر أو هم ساكنهم ، أو على حسب ما تواترت به روايات الحارة أو اصطلح عليه شياب الحلة بـ “متفق عليه”.
هذا الطبيب المسلح بأدوات عمل بدائية ، هو نفسه من يحج إليه الناس يقصدون “تحسين” شعرهم ، ولفظ التحسين هنا أقصد به الحلق ، نازلا بهذا إلى رأي أبي ، فقد حاججته يوما بما قال ، “بروحك قلت اندوك 400 بيسة وروح حسن شعرك” ، “ولو قايلي إحلق شعرك ما كنت سويت بانكس”، ولهذه الحادثة أسبابا لغوية وإجتماعية ، فأبي عندما يقصد الحلاق يقصد تحسين الهيئة لا مجاراة الموضة ، وأحسبه إن قال لي “اسحلها” لما حدث الإختلاف بيني وبين الوالد ، وعلى قدر ما أحببت علم الصرف في اللغة العربية قد أتمكن من إيجاد مخرج لـ”اسحلها”لأجد سببا للتبجح بفصاحة العمانيين ، على غرار “الجز” و”الإعفاء” في مسألة “جزوا الشوارب واعفوا اللحى” ، ولا أجد لهذه القضية مكانا هنا خشية تمدد إطار الموضوع والحيد عن هدف المقالة ، وليعذرني من جزها ومن اعفاها ومن هو لها “ساحل“.
أما الذي أنا بصدد التمتع بالكتابة عنهما ، الطبيب والحلاق ، اللذين أفترض أنهما باتا اليوم وظيفتين منفصلتين ، فلسنا نعاود الحلاق لألم داهم في الرأس أو وجع على المفاصل ، ولسنا نزور الطبيب لجزالشوراب أوتحسين اللحية ، على رغم ما يحاولانه ويجاهدان لأجله هما الإثنان من إيجاد طرائق شتى وأعذار كثيرة ليربطان بين الوظيفتين لأهداف ربحية لا غير.
فأبوبكر الحلاق الذي حاول إضافة بعض البيسات على درج طاولته ، يحييني بإبتسامة جميلة وبهز رأسه بحنان فائق ، “صديق انت وين يشتغل؟” ، أنا موظف في كلية “وفقير لا أكش ولا أنش“ وما أعرف حد في الشحن مال المطار ولا الطيران العماني يسويلك واسطة يوم تترس شنطتك “سليط شعر“ و “فجل ميبس“ ، “صديق انت وين أخو؟“ ، “رفيك ترى أخوي من كثر لعيانك ما عاد يحلق عندك” ، وبعد طيب الكلام والفراغ من الحلاقة ، استعرض جزءا من مهارات تدليك الرأس بخفة يد ، مشيرا إلى أهمية العناية بفروة الرأس بتغذية الجلد بما يحتاجه من بروتين وفيتامين ، و مدللا على صحة ما يقول شعره القوي ، حجة داحضة ، “صديق شوف هذا الكريم هذا مال صديق يبيع 12 ريال ، أنا يبيع 5 ريال ، هذا واجد زين مال شعر مال إنت“ وترك العلبة على مقربة من هاتفك النقال بحيث لا تنسى أخذه ، ولا بد من تنظيف الوجه ، فبعد أن يغطي وجهك بغسول الوجه وقناع الجمال يتوجه إليك بالسؤال “صديق يريد تنظيف وجه؟“، هناك لا تجد ما تقول ، ويعتبر السكوت علامة الرضا بإبتسامة خبيثة ، ويكمل العمل ، لتزيد قيمة الفاتورة بتلقائية دراماتيكية.
لا زلت أذكر والدي – حفظه الله – حين بدأ الحلاق تملقه وعرض عليه زيتا صنعه الحلاق بنفسه ويمكنه إرجاع الشعر مكان الصلعة التي بدت لامعة ، “بابا هذا زيت واجد واجد زين ، يريد واحد غرشة؟” ، رد عليه أبي دون تفكير “شئ معك ديزل؟” ، “يضحك الحلاق متمتما: هذا بابا واجد عيار ، ديزل وشان ويش؟“، “لأني أدفعلك شهريا ثلاث ريالات وإذا حطيت ديزل في رأسي بوفرهن حق راشن البيت”.
أما الطبيب الذي امتدحه ابن عمي وناصحني لزيارته فقد رأى في أخذ مهام الحلاق طريقا للربح ، وحاجتي لزيارته لم تكن إلا لألم بسيط في الأسنان ، فقد تمكن بمهارة التاجر من إقناعي بعمل تنظيف للأسنان ، ثم ادعى حاجتي إلى عمل تقويم للأسنان شارحا لي الميزات والإيجابيات بمهارات تفاوضية ، وبتملق واضح إدعى جمال شكلي بطريقة حلاقتي للحية ، “والله تراك طالع شيك باللحية المخنجرة” ، ولم أخرج من عيادة الطبيب إلا مقتنعا بكل ما قال ، ثم أنه عرض علي عرضا يمكنني به الإستغناء عن زيارة أبو بكر الحلاق كل أسبوع ، وتوفير الوقت والجهد والمال ، “ليش ما تعمل عملية ليزر ع الوجه وتحدد شكل اللحية ع طول بالستايل اللي تحبه ؟“ ، “ترى كلها أسابيع وجلسات بسيطة“ “ترى هذا بدل ما انت شاغل نفسك بالستايل وموس الحلاقة و الخيط اللي تاعبك؟“ ، “ويا حبيبي ترى هذا مجرد مقترح لأني أحبك“ ، “حبيبي إذا فكرت تعمل العملية أنا صاحبي عنده عيادة متخصصة“ ، “ولا تزعل ما بدي أي كوميشون“ ، تذكرت الديزل الذي أخبر عنه والدي وتمنيت لو أن “جالونا” منه في يدي أحرق فيه أسنان طبيب الأسنان ، فقد قضيت ثلاث ساعات في زيارته بدلا من نصف ساعة ، ثم أنه وادعني بحرارة وأهداني بطاقته التعريفية بها عنوانه ، “ما عطيتني رد بخصوص ليزر الوجه يا حبيبي؟” ، رددت عليه “يا دكتور مش عايز ، ما باغي ، ما أريد ، آي دونت وونت ، وإذا بغيت تشتغل في العقارات ترى أخوي بيفيدك” ، مع السلامة.
أذكر أن أبي (حفظه الله) قد عادوته آلام في يده اليسرى بعد أحداث إعصار جونو وقد كلف نفسه حينها الكثير من العمل والجهد ، ولما اشتد عليه الألم زار إحدى المستشفيات الحكومية ، وطلبوا من البقاء في المستشفى لأيام عده حتى يـتضح لهم مسببات ما يعانيه من آلام يده ، وأكثروا عليه من أخذ عينات الدم ، حتى أنه تململ منها ، ولما كنت في زيارته يوماً أتاه أحد الأطباء ليسأل عينة دم أخرى ، كتمت ضحكة صارخة لم تبدو إلا في صورة ابتسامة خفيفة ، إلا أن أبي رد على الطبيب “يا دكتور بغيت دم بس ؟ شل من اللحم إذا بغيت “، الشئ الذي اضطرني لإطلاقها ضحكة عارمة ، ثم أن كثرة استخدام الإبر على ظاهر اليد وسوء استخدامها تسببت في إحداثِ تجمد للدم في يده ، وكانت نهاية الحكاية أن عملية تجميل قد تنفع في اليد اليسرى مع نفس الطبيب لكن في مستشفى خاص ، لم تقنع أبي ، ولا مخيخي الصغير ، ولا أحسب أن أبو بكر الحلاق قد يستسيغ فكرتها.
هذا ما كان بين الحلاق وبين الطبيب ، وما بيني وبين أبي ،، وسيستمر الطبيب والحلاق في تقمص شخصياتهم الأخرى ، ومحاولة الربط بين الوظيفتين ، لأسباب وأسباب ، ولحاجة في نفس يعقوب ،،
Posted in Uncategorized by
Salim.
قبل أسابيع وبالتحديد عند بداية ظهور الإعتصامات ، قررت أن أبدأ عن رحلة البحث عن تلفزيون سلطنة عمان من بين زحمة القنوات التلفزيونية التي ضج بها هذا المستقبل الرقمي (الريسيفر) ، قضيت أكثر من ساعتين عبثا محاولا العثور على القناة ، وفي المخيلة ذكريات ما زالت في البال مثل دوران الكرة الأرضية قبل أخبار العاشرة ، وعبارات ما زلت أتذكرها من منطوق المذيعين قبل بدء برامج الرسوم المتحركة مثل: (والآن تبدأ فقرة أحبائنا الأطفال ونبدأها مع الرسوم المتحركة باي باي وبينك بانثر متمنين لهم وقتا سعيدا).
فشلت فشلا لا يمكنني إنكاره في إيجاد القناة ، ثم بدأت الشكوك تراودني عن إغلاق القناة أو أنها دمجت مع قناة إريتريا لتغطية النفقات ، إلا أن أبو القاسم البنغالي الذي ما زلت أستعين به في إصلاح مواسير دورات المياه أكد لي أن قناة عمان ما زالت تبث على فضاءات النايل سات والهوت بيرد.
أبوالقاسم وغيره البنغاليين أكن لهم احتراما عظيما لا يفقه كنهه من لا يعرف البنغاليين ، فقد غيروا وجه العالم بعلمهم واختراعاتهم ، فقد أثروا العالم بإكتشاف الليزك الذي صححت به الأبصار ، وهم رواد أطفال الأنابيب ، وهم من ابتكر طريقة البناء الحديثة للعمارات الشاهقة ، ومخترع معدن الطائرات كذلك بنغالي ، لا بل أن الذي أتحفنا باليوتيوب بنغالي ، هؤلاء أبناء بنغلاديش الذين غيروا وجه العالم بإنجازاتهم.
رجوت من أبي القاسم زيارة طارئة وسريعة للمنزل ، وفي داخلي تساؤلات عدة ، هل يمكنني أن أرى الدشاديش والفروشات وبينك بانثر مرة أخرى على شاشة التلفزيون؟ ، تأخر أبو القاسم وغرقت في الذكريات ، تذكرت ما يحصل عند ضعف إشارة الإريل على سطح المنزل ، وكم فاتنا من حلقات سنبل أيام رمضان وقت صلاة التراويح ، كانت تكفينا ركعتين من القيام للحاق على حلقات سنبل والإطفائي الديناصور الذي ما عدت أذكر اسمه.
أوقف سيل الذكريات جرس المنزل ، وأبو القاسم البنغالي بوجهه البشوش مقبل بابتسامته المعهودة ، أثار الرعب في قلبي ما رأيت ، أبو القاسم الذي طلبت منه إيجاد قناة عمان يأتيني بأدوات الميكانيكا والحفر كاملة في حقيبة متكاملة ، “لعنبوك أبو القاسم ما بغيتك تحفر قبري بغيت تلفزيون عمان”.
أبو القاسم البنغالي: “ما في خوف صديق أنا شغل معلوم”.
إتصلت بصاحبي يعقوب من شدة الذعر مهموما مغموما ، أفسد ليلتي ما رأيت ، تذكرت أن آخر مرة رأيت فيها مقاطع من قناة عمان أيام الغربة حين انقطعت إريلات سكرابتل من هول إعصار غونو ولم يكن هناك أي مجال للإتصالات ، أبو القاسم البنغالي يريد التنقيب عن قناة عمان من المقابر أو يريد قتلي بالتأكيد ، ” صديق ما في خوف أنا كله تايم كله مكان يشيل هذا باج مالي ما في خوف” ، “علة تعلك أبو القاسم هديت حالي”.
دقائق معدودة وظهرت قناة تلفزيون سلطنة عمان ، نفس الشكل القديم ، ذات الألوان لم تتغير ، بل نفس الشعار المبجل ذو الشعيرات كرأس رجل مشدوه في رسمة كاراكتير ، ” وبحبك يا مدحت” ، لم أجد خبرا عن إعتصام أو شيئا غير معتاد عليه ، كم هم كاذبون قنوات الجزيرة والبي بي سي ووكالات الأنباء العالمية ، لم أعد أثق فيهم ولا في رويترز ، لا اعلم اسم المسلسل العربي الذي سمعت منه “بحبك يا مدحت” لكن أعتقد أن كثيرون اعتاشوا على هذه “العيشة” ، وكثيرون اعتادوا على هذا الإعلام ، لكن ثمة تغيير حصل ، وسببه أبو القاسم البنغالي ، وهو أني ما عدت أمر من أمام دكانه الصغير ، أصبح يرمقني بنظرات غريبة بها علامات التعجب ، أعلم تماما ما في داخله من تساؤلات ، فقد كنت الأول والأخير الذي طلب منه إيجاد تلفزيون عمان من قائمة الريسيفر.
Posted in Uncategorized by
Salim.
حتى وقت كتابتي لهذا المقال ما زالت الحمى تفرض سيطرة تامة على عموم الجسد ، ولست قادرا على تغيير نظام هذا المرض المستبد ولا إسقاط أعراضه.
غريب أمر هذا الإنسان “المتعنتر” المتكبر ، واثق في خطاه ، رأيه الصحيح وإن شابه الخطأ ، ورأي غيره خطأ وإن كان ظاهره الصحة ، إلا أن إرتفاع درجة مئوية واحدة في نظام جسده كفيل لإجباره على التواضع والمسكنة ، و تراه يقبل توصيفات العلاج مهما درجت مبالغ السخف والسذاجة ، وما أكثر دجل المعالجين ، حتى الحاصلون على دكتوراه الطب لهم دجل خاص بهم أنفسهم ، وعلى ما تشيعه العامة : إربط صبعك وكلن بيوصفلك.
شعرت بأعراض الحمى منذ ما يقرب من شهر ، كان تحليلي لمسبباته ضغط العمل وإرهاقه ، وإن لم يكن فالروتين الممل الذي يستهلك يوما كاملا وما يستببعه من قلة اهتمام بالرياضة والإعتناء بصحة النفس والجسد ، عليه تركت العمل لأسبوعين إجازة ، قصدت حاجا إلى العفية عل يشفيني فيها الهواء ونقاءه ، أو الهدوء الذي هو رمز صفائه ، غير أن “الشلة” أبوا إلا أن يشاركوني متعة الإجازة في مقهى وناسة جانب الطور الأيمن منه فندق شاطئ صور ، أستضيف فيه الإرسنال وبرشلونة على شاشة عريضة ، على مقربة منها تتعالى الصيحات والتعليقات على جو مسائي بارد ، ونفاث الشيشة من جمهور الرياضة يذكرني بقمع المتظاهرين ، دخان يزيدني كآبة ، على كثرة ما تشبعت من أخبار الجزيرة وحروب إسقاط النظام.
ثم أني استسلمت للواقع ، وقررت زيارة المستشفى الذي أكره دواءه ، أحب الحمى ولا أحب الباراسيتامول 500 ملج ، أحب الكحة والزكام والتهاب الحنجرة ولا أحب المسكنات ولا المضادات الحيوية ولا شكل الطبيب نفسه ، كم وزنك؟ كم طولك؟ ثم يتفحصك بعينيه ، وكأنك أهملت كتابة الواجب المنزلي وعليك مواجهة المدرس الذي مل من وجودك بالصف ، هل دفعت رسوم التسجيل بقسم السجلات؟ من سجلاتنا لم تراجع المركز الصحي منذ ما يقرب من السنتين ! هل تعالج في مستشفى خاص أو عيادة متخصصة؟ لا يا دكتور ، لا أراجع طبيبا ولا حكيم الحجامة ، بنفسي أحلل المرض ، أحاول استكشافه ، وأتولاه بالتنسيق مع نظام الجسد ، وإن استسلم لثورته ، وسقط النظام رأيتموني بالمستشفى.
على العموم ، كان عدد مرتادي المركز الصحي كبيرا وفي تزايد ، وطلب مني مراجعة السجلات قبل فحص الطبيب ، وهناك كانت المفاجأة ، رأيت موظف السجلات يكتب على وريقة صغيرة عليها ختم وزارة الصحة ، أعطاني إياها قائلا ، تعال باكر لمقابلة الطبيب ، ” تو كما تشوف الحالة واجدين جايينا المركز” ، شكرته شكرا نابعا من القلب ، لا أحسبه فهم كنهها ومغزاها ، فقد أنقذ نظامي من سقوط محقق ، وسأكمل سنتين دون حاجة إلى طبيب ، حياك أخوي ، جزاك الله ألف خير ومعافى دوم ان شاء الله.
رجعت للمكتب ، وعلمت أن ثلاثة من موظفي الدائرة مرضى ، خشيت أن أحلل سبب مرضهم حتى لا تكون عودتي من الإجازة سببا محتملا لمرض موظفي دائرتي ، لم أكف عن عادة الممازحة ، “أفا عليك لا تقول كذاك” ، “بالعكس مرضنا من روحتك للإجازة” ، صحبة جميلة أعيشها مع موظفين أراهم أصدقاء حياة ، شاءت الأقدار إرتباطي بهم ، ومشاركة ثماني ساعات يوميا ، مزاح ، أو عراك ، أو نكت من هنا وهناك ، أما نكت إسقاط النظام فهي الغالبة ، والحمى لم تختفي ، وكلما تذكرت ذلك اليوم البارد في مقهى وناسة زدت مرضا ، ومن يذكر لي الإرسنال أو برشلونة يعتريني الوهن ، عساك دوم مغلوب يا برشلونة.
Posted in Uncategorized by
Salim.
صباح الخير ،، بعد فترة طويلة من الإنقطاع عن الكتابة ، أرجع بمدونتي الجديدة ، للأسف لم أتمكن من الحصول على نسخة من جملة المقالات التي دونتها في المدونة القديمة ، رغم تعلقي بذكرياتها سأعوضها بمقالات وآراء جديدة ، وبتواصل أجمل مع الأحبة ، طبعا حينما يسعف الوقت وتسمح الظروف ، ألقاكم قريبا ،،، في وطن النهار
Posted in Uncategorized by
Salim.
Beat diabetes Diabetes diet